حيدر حب الله

159

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وسأنقل بعض العيّنات سريعاً لمزيد تأكيد ، استكمالًا للبحث الحديثي هذا : الرواية الأولى : خبر العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، قال : لقيت البراء بن عازب - رضي الله عنهما - فقلت : طوبى لك ، صحبت النبيّ صلى الله عليه وآله ، وبايعته تحت الشجرة ، فقال : « يا ابن أخي ، إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده » « 1 » . فإذا كان البراء بن عازب ممّن بايع تحت الشجرة وحضر مواقع نزول آيات تعديل الصحابة ، فلماذا علّق بهذا التعليق ؟ ولماذا لم يُعطِ السائل مجال المدح له ولأمثاله ؟ هذا يكشف عن أنّه لم يكن يفهم من نصوص الكتاب والسنّة شيئاً عن نظريّة تعديل جميع الصحابة بهذا العرض العريض . الرواية الثانية : خبر غيلان ، عن أنس ، قال : « ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله » ، قيل : الصلاة ، قال : « أليس ضيّعتم ما ضيّعتم ؟ » « 2 » . والخبر دالّ على اعتقاد أنس بأنّه قد ضُيّعت السنن والأحكام بعد النبيّ . لكنّ الاستدلال به غير صحيح ؛ فإنّ أنس بن مالك توفّي على المعروف عام 93 ه - ، فيمكن أن يكون صدر هذا منه في النصف الثاني من القرن الهجري الأوّل ، والصحابة آنذاك نزرٌ يسير جداً ، وهو يتكلّم عن مسلمي العصر الأموي ، فلا ربط للرواية بما نحن فيه . الرواية الثالثة : خبر إسماعيل بن قيس ، قال : قالت عائشة عند وفاتها : « إنّي قد أحدثت بعد رسول الله عليهما السلام ، فادفنوني مع أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله » « 3 » . وفي صيغةٍ أخرى للخبر وردت مرسلةً أنّه قيل لها : ندفنك مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقالت : « إنّي قد أحدثت بعده ، فادفنوني مع أخواتي » ، فدُفنت بالبقيع « 4 » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 5 : 64 - 65 ؛ والإصابة 3 : 67 . ( 2 ) صحيح البخاري 1 : 134 . ( 3 ) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 8 : 74 . ( 4 ) ابن قتيبة ، المعارف : 134 .